إبداعاتمقالة

التشكيلي الكُردي بهرم حاجو (أنا هو الآخر)

دلدار فلمز

– ولد بهرم حاجو سنة 1952في قرية ديرونDêrûn  الكردية (أقصى شمال شرق سوريا)

– يقيم في ألمانيا منذ ثلاثة عقود ويحمل الجنسية الألمانية إلى جانب السورية

– حاصل على الإجازة من أكاديمية مونستر للفنون بألمانيا 1984

– متفرغ حالياً للعمل الفني

– يعد من  الفنانين التشكيليين ذوي الحضور المتميز في الحركة التشكيلية الألمانية الحديثة

– كُرّم مرات عديدة

– في رصيده عدد كبير من الجوائز العالمية أبرزها جائزة هنري ماتيس الفرنسية عام 2014 التي تعتبر أهم جائزة في الفن التشكيلي الأوروبي المعاصر.

يتكلم “حاجو” عن مروره في عدد من الدول قبل أن يستقر بمدنية مونستر الألمانية (بعد حريق سينما عامودا في تشرين الثاني 1960):

(كان الوضع في مدينة قامشلو يزداد سوءاً سنة بعد سنة، لذلك قرّر والدي إرسالي إلى كردستان العراق لدراسة الهندسة المدنية لعلمه بهدوء الوضع هناك وإمكانية الدراسة في جامعة السليمانية. ورغم أن هذا كان ضد رغبتي فقد تم قبولي. بعد سنة من إقامتي في السليمانية ذهبت إلى أكاديمية بغداد للفنون الجميلة، لأنني كنت أعتبر دراسة الهندسة عقوبة. في نهاية العام 1973, بدأت المشاكل بين حزب البعث والحزب الديمقراطي الكردستاني، وعلى خلفية الاغتيالات التي طالت بعض الطلبة السوريين المقيمين هناك، وبعد إلقاء القبض على ابن عمي (برشنك حاجو) اضطررت إلى الهرب والتجأت إلى منزل الشاعر الكردي هجار وبقيت مختبئاً لمدة عشرين يوماً تقريباً، وذلك بمساعدة دارا توفيق رئيس تحرير جريدة التآخي آنذاك وسامي محمود وزير الإصلاح. تم ترتيب سفري إلى تشيكوسلوفاكيا (السابقة) برفقة فريق ديبلوماسي إنكليزي في طائرة صغيرة متجهة إلى براغ. وأمّن لي محسن دزه يي, السفير الكردي لدى الحكومة العراقية في تشكوسلوفاكيا، منحة دراسية. وبعد إقامتي حوالي ثلاثة أسابيع, وقعت خلافات وسحبت الحكومة العراقية سفيرها، وذلك في نهاية العام 1973، حيث هاجم الجيش العراقي الأكراد)

يرسم بهرم منذ حوالي أربعين سنة رؤيته الوجودية الخاصة. رسم حاجو في مرحلة ما طبيعة الشمال السوري واحتفت لوحاته بجماليات الطبيعة وعناصر ومكونات الحياة من أشجار ونباتات وحيوانات وقرى وبيوت منتشرة على الحدود السورية – التركية. لقد كان في تلك الفترة يروض من خلال الرسم قساوة هجرته إلى ألمانيا وكانت لوحات تلك المرحلة ملاذاً بصرياً للذاكرة وتسجيلاً لأماكن الطفولة والصبا.

كانت نهاية التسعينيات بداية مرحلة جديدة في مسيرة بهرم حاجو حيت تناول في لوحاته الجسد الإنساني برؤية وجودية محاولاً الكشف عن الرغبات الدفينة في أعماق إنسان الزمن المعاصر وجسد حالات من الانكفاء على الذات تحت سيطرة مشاعر العزلة والخوف.

وفي لاحقة مرحلة, مزج مخزونة البصري الخصب وتجربته القوية بصياغات ومؤثرات أوربية 

تتميز عوالم «بهرم حاجو» بالابتعاد عن الأيديولوجيا والأطر المستهلكة لصالح البنية السيكولوجية لمكونات اللوحة والتي تتناقض أو تنسجم مع الرؤية البصرية للمتلقي، وهنا يبدو جلياً المخزون المعرفي والثقافي للفنان الذي يؤكد على خصوصية فنية تشكيلية جديدة هو وحده مَن يخط ملامحها.

لا يخفى على المتابع لتجربة حاجو بحثه الدائم في التقنية والحلول الجمالية خدمة لما يمكن ويجب أن يقوله العمل الإبداعي، متنقلاً بين الرمزية والتعبيرية بمساحات قد تبدو منتمية إلى التجريد على مستوى اللون. وهو دائم الحرص على المضمون البصري الذي يصهر فيه الذات الخاصة مع الذات الإبداعية، مغلفاً بالحب والفرح والإشعاع الداخلي للوحاته كمية هائلة من الحزن والخيبات والهزائم التي عاشها على المستويين الشخصي والعام على خلفية انتمائه إلى مساحة جغرافية لا تهدأ صراعاتها, وهذا بالضبط ما يمنح تجربته تميزها في خارطة التشكيل السوري.

يعمل حاجو بألوان الأكريليك وبمواد أخرى كالرمل والفحم وألوان البودرة الترابية ويخلق سطحاً طبيعياً للوحته بألوان محدودة وخاصة الأبيض والبني والأحمر والرمادي, ومن خلال هذه العناصر تراه يجسد عوالم فنية مكتظة بالجماليات التعبيرية ذات متعة بصرية وقساوة فكرية لا تخلو بعض مساحاتها من الرسم العفوي الفطري.

الإنسان في حالات العزلة بصرياً وجمالياً وفكرياً هو الموضوع الأساسي الذي يتناوله الفنان حاجو في لوحاته الأخيرة, كأنه يريد أن يطرح بذلك مجموعة من التساؤلات التي تطفو فوق سطحها إشارات من الاحتجاج.

الرسم لدى بهرم وسيلة تعبيرية تناسب قدراته من أجل الكشف عن موقفه تجاه الإنسان المعاصر. والإنسان في أعمال بهرم يعكس مفاهيم معرفية وفكرية عقيمة في فضاءات تخلو من الحوار والتواصل فقد نشاهد الإنسان في لوحته مكمماً ومعظم شخوصه مجسدة داخل فراغات بيضاء كدلالات تعبيرية على التعارض بين الصمت والحوار. إنه يضع شخصياته في أمكنة تبدو كأنها مصحات عقلية تعاني فيها الوحشة والقسوة والعزلة.

يعالج بهرم الفراغ الكبير حول شخوصه بعناية فائقة لأنه يعتبرها جزءاً مهماً وأساسياً من اللوحة وهو يوظف الفراغ كالصمت الذي يوازي الكتلة. إن الفراغ في أعمال بهرم نوع من الجدل الفلسفي بين الشخوص وتجسيد لأحاسيس القسوة والعنف.

قد نرى الإنسان عارياً إلا من جلدة تتحول في بعض أحيان إلى وشاح رقيق يغطي جزءاً من الجسم وفي حالات أخرى نجد الإنسان بدون أقنعة في رحلة الألم والعذاب.

وفي معظم لوحات بهرم, نرى شخصين يكون أحدهما دائماً هو الفنان ذاته وحتى مع وجود شخص واحد في لوحة نرى يداً تمتد من خارج اللوحة إلى فم الشخص المجسد داخلها .

أمام لوحات بهرم تستيقظ في ذاكرتنا البصرية أشياء غامضة تجمع بين طياتها شحنات وجدانية وذهنية هائلة نسمع خلالها أصوات شخوصه تصرخ بنا: جميعكم مذنبون فيما يحدث من جرائم بحق الإنسان في هذا الكون. 

عن مجلة دشت العدد (0)

مقالات ذات صلة

إغلاق