إبداعاتمقالة

هندسة الذاكرة وتفاصيل الخراب في (عشبة ضارة في الفردوس) للروائي هيثم حسين

عبد المجيد خلف

نظرات اتهام متبادلة، أحقاد دفينة تبحث عن سبل لترمي بنفسها في أحضانها، وفي أحضان بشر مهمّشين، عدميّين، نبذتهم الظروف والأمكنة والواقع؛ ليصبحوا أداة طيعة في يد الحكاية التي تسرد نفسها على لسان (جمي) (جميلة)، البطلة محاولة إعادة صياغة تاريخ ضائع لحياة ضائعة، مثّلها هؤلاء العدميّون حين قطعت بهم السبل، لتشكل تلك الحكاية انطلاقاً لفكرة القهر والاستلاب، ووسيلة للمتابعة وسط ذلك الجحيم المتبدى في صورة مكتملة أحكمت إغلاق رتاجات الأبواب لتمعن في اغترابهم، وهي ليست إلا صورة يُظنّ أنها فردوس مفقود، وجنة أسطورية، دأبهم البحث عنها، ويعتبر كل من دخل إليها غريباً، وعشبة ضارة ينبغي اقتلاعها منه لتبقى اسماً على مسماها، فردوس أبدي يعشقونه؛ لأنه يستلبهم، ويسلبهم ذاتهم.

الوالد الأعمى، المساعد الأول الذي يبني حلماً لمكان خرب، متداعي الأركان من قبل، يأتي ليجهز عليه مرة أخرى، فيزيد الوضع سوءاً، ويمعن في ظلم الناس، والإساءة إليهم، بريندار الضائع، والباحث عن روحه على الحدود بين الألغام.

رحلة بحث إذاً عن مأساة، رحيل الكُرد الذين نزحوا نح العاصمة السورية دمشق، تاركين بيوتاً خاوية على عروشها، وشمالاً منهوباً لخزائن الصمت حيناً، وريح الغضب حيناً آخر.

نزوح يأكل نزوحاً، ونزاع يلاحق نزاعاً آخر مسلحاً، ليلقي بثقله على كاهلهم بعدما نشبت تلك الحرب التي أحرقت قلوبهم، وجعلتهم وقوداً وحطباً لحروب دامية لا تندمل جراحها.

ذاكرة كُردية متعبة، وألم يروي بنفسه الحكاية، حكاية قهر الكُرد واستلابهم وعمرهم الضائع على دروب السفر والنزوح نحو كافة الأماكن..

سرد المجهول

رغبة دفينة في كشف الخبايا، وسرد المجهول، المتبقي من ذاكرة أثقلتها الأوجاع، ذاكرة تسكنها الغربة، وتعتريها الوجع في كل وقت، تدعوها إلى القص، ورواية الحدث الذي كان، هي الهندسة إذاً من تدفع الذاكرة إلى روي تفاصيل الخراب بدقائقها، والقبض على المخيلة؛ لتتابع ما أخذ يعتمل في ثناياها، فتعيد ترتيب الأشياء والتواريخ والأمكنة، تقتفي أثر شخصيات وقعت فريسة الألم، الخيبة، والانكسار، في فردوس مفقود، فردوس جهنمي، ويل مقدس، عندما تم البدء بتخريب البلد من أقل دائرة اجتماعية، ومؤسسة، حتى أكبرها، في زمان ومكان مشوّهين، غير واضحي المعالم، من خلال عدة تصرفات، ووسائل، منها استخدام الجواسيس وتجنيدهم للعمل، والتعامل معهم للتواطؤ ضد الكرد، وتحويل البلدة الصغيرة تلك، والتي ترمز بدورها إلى وطن كبير مترامي الأطراف، إلى ساحة لا مهادنة فيها، للقتل، التخريب، فساد الأخلاق العامة، وتأليب الناس على بعضها؛ من أجل تسهيل السيطرة عليها، وإضعاف نفوس الكرد وإرادتهم، عبر تلك الوسائل، ومن خلال جعل الرقابة سلاحاً منهم عليهم، وسيفاً شاهراً في وجههم، منهم عليهم أيضاً، للإمعان في استلاب ذاتهم، وإفراغها من مضامينها، تلك الذات التي كانت من قبل مهيأة؛ نتيجة ظروف معقدة مؤلمة، وعقود طويلة من الغبن، الاستغلال، الظلم، السجن، النفي، التشريد، مصادرة الحريات، ومنع أي نشاط يقوم به الكرد، مهما كان نوعه، حتى غدا الكل عدواً للكل، وغدا الكل خارج السرب، كل يغني على هواه، ويمعن في إيلام الآخر؛ لإرضاء إرادةٍ خارجة عن إرادتهم، إرادة قسرية، فرض عليهم بالإكراه، ومن غير أن يعرفوا، من أين، ومتى حدث كل ذلك، فصار الاغتراب عنصراً روحياً قاتلاً فيهم، اغتراب عن الوجود، اغتراب نفسي، واقعي، اجتماعي وقومي، حتى نسوا إلى أية ملة ينتمون، ولماذا يمارس كل ذلك الفعل ضدهم، وما الدوافع الكامنة وراء ذلك، وإلى أين ستذهب الأمور، وما الطرق المتبعة من قبل عناصر الإدارة لتحقيق غاياتهم المنشودة، ومآربهم، ففعل التدمير مقصود بذاته لذاته، واستمر الحال على هذا المنوال، حتى صاروا أسرى فخ كبير، يصعب الخروج منه، والتخلص من آثاره السلبية، التي ملأت عليهم حياتهم وجعاً، ونغصت عليهم العيش، وحرمتهم الراحة والهدوء، التي كانوا من قبل محرومين منها، إلا أن الذي زاد عليها من تلك التصرفات، وذلك المستقبل السيء الذي كان يخطط لهم، ويحاك ضدهم في غفلة منهم، هو الضغط والشعور بالاختناق، وبدنو أجلهم، لحظة إثر لحظة،  ويمنعهم من قراءة واقعهم، ملقياً غشاوة على أعينهم، فلا يبصرون الواقع الذي يحيط بهم، بكل سلبياته، ويدفع بهم نحو الهاوية، السقوط، والضياع، وهذا هو الفعل الإجرامي بعينه، وهو المعضلة الكبرى التي جاء بها هؤلاء الغرباء، الذين يرمز لهم بسلطة غافلتهم لحظة ضياعهم، وأخذت تمارس في حقهم شتى صنوف القهر والعنف والعدوان؛ لتحويلهم إلى أداة طيعة في يدها، تفعل بها ما شاءت، وأنى أرادت ذلك، وهذه هي الغاية التي سعت إلى الحصول عليها، فكأن الرواية إذاً، في معرض سرد للأحداث التي تمهد هي بعينها إلى حدوث كل ذلك الشرخ العميق في بنية أي مجتمع، لا متجانس، يعيش وهم الاستقرار، رواية تتبع آثار حياة الكرد، وتلك العائلات التي دفعتها الظروف الصعبة إلى البحث عن سبل العيش الكريم، فهربت من فخ صغير في الجزيرة السورية، نتيجة للأحداث الكبيرة التي جرت في المنطقة عام 2004، إلى فخ أكبر هي العاصمة دمشق التي أمعنت هي الأخرى في استلاب ذاتهم وروحهم.

 يعتبر الكرد مكوناً من تلك المكونات التي عاشت أغلبها تحت وطأة الظلم، وشعرت بالفراغ يكتنف حياتها، والغموض في كل شيء، فالإدارة تفعل، وهي التي تقرر الصالح العام والخاص، وتدرك مطالبها، وتعرف كيف تلعب على الوتر الحساس، وكيف تضرب الجميع بالجميع، من خلال بعث الطائفية والعنصرية بينهم، ومن خلال فرض السيطرة بشبكة كبيرة من أجهزة الأمن والاستخبارات، وفروعها المتعددة، وكيف تخلق الأجواء لفرض السيطرة، وكيف تقود القطيع إلى بر الأمان، بالنسبة لها، والضياع والتشتت بالنسبة لغيرهم، ذلك الغير الذي شكل أقلية مورست بحقه كل أنواع القهر، وأهدرت كرامته التي كانت، ليس في مجال معين، إنما في شتى المجالات؛ فالإرادة مسلوبة، وحق الحياة مهدور، والشعور بالنقص غالب على الجميع، والغوغائية طابع ألبسته الإدارة عن سبق إصرار وترصد لكل حدث، وحادثة أيضاً ألمت بهم، وكانت هي السبب الكامن خلف ذلك، حتى وقع الكرد في مستنقع يصعب الخروج منه، ويدور حول نفسه في حلقة مفرغة، لا نهاية لها.

 ربط المقدمات بالنتائج

أوراق المساعد أول تكشف عن ذلك بشكل واضح، فما حصل من شرخ عميق في بنية المجتمع الكردي يظهر جلياً من خلالها؛ لأنهم -الكرد-أصبحوا على استعداد لافتداء الدولة، والتفاني في خدمتها، والاستعداد للموت من أجلها، ونسيان الهوية، التي صارت تتسبب في خلق حالة من العصاب، والوسواس لديهم، فتارة هم أولاد الدولة، وتارة ليسوا كورداً، وهم ليسوا ما كانوا عليه، تغير كل شيء، وهذا بالطبع نتيجة منطقية للمقدمات التي تقررت سلفاً بيد الإدارة نفسها، فتلك النتائج التي تمخضت عنها الأحداث هي بالطبع نتائج لتلك المقدمات، التي ثبّتت دعائمها بين ظهرانيهم، بالمعرفة، والقوة التي وقفت خلفها، ودعمتها، حتى أنجز العمل على أكمل وجه، وآل الوضع إلى ما هو عليه الآن، لتغدو كردستان وهماً، وتصبح الذات الكردية مغلوبة على أمرها، وهم أنفسهم يحملون بأيديهم بذرة فنائهم، لأنهم يعشقون البطولة، فلتصبح تلك البطولة سلاح قتل ضدهم.

عن مجلة دشت العدد (0)

مقالات ذات صلة

إغلاق