|
لا يختلف اثنان من
الأكراد السوريين، إن
مظاهرة 1986، التي كانت
ردَّاً على منع السلطات
السوريَّة الاحتفاء
بالعيد القومي الكردي،
عيد النوروز، واستشهاد
المواطن الكردي سليمان
آدي، برصاص العسكر
السوري، وجرح آخرين، بأنه
كان المدخل لأن يسمح
الرئيس السوري الراحل
حافظ الأسد، بالاحتفاء
بهذا العيد، وإعلانه عطلة
رسميَّة، وحتى ولو كان
تحت مُسمَّى "عيد الأم".
ولا يختلف اثنان، إن سقوط
أكثر من 30 شهيد، وعشرات
الجرحى، وآلاف المعتقلين
الأكراد السوريين، على
خلفية انتفاضة 12 آذار
سنة 2004، كان المحفِّز
لأن يعترف الرئيس السوري
الدكتور بشَّار الأسد في
آيار 2004، إن الأكراد هم
جزء من النسيج الاجتماعي
والحضاري السوري. ولا
يختلف اثنان أن الردَّ
الطبيعي على مجرزة حلبجة
الرهيبة، وقصفها بالغازات
الكيماويَّة من قبل
النظام العراقي السابق في
16/3/1988، لم يكن بإعلان
الحركة الكرديَّة
العراقيَّة عدم الاحتفاء
بعيد النوروز، حداداً على
أرواح حلبجة، وهذا ما لم
تفعله وقتئذ، ولا بعد
حملات الأنفال، ولا بعد
استهداف هولير بالهجمات
الانتحارية في شباط 2004.
كطقس اجتماعي، قومي، ذو
بعد ثقافي تاريخي، يخرج
الأكراد كل عام إلى
الساحات والشوارع في ليلة
20 آذار، لإشعال النار،
وعقد حلقات الدبكَّة
حولها، ابتهاجاً بقدوم
رأس السنة الكرديَّة،
والعيد القومي للأكراد،
الذي يصادف 21 آذار.
وبصرف النظر عن الخوض في
مدلول أو خلفيَّة هذا
الطقس المتوارث، هكذا فعل
الأكراد في كافة المدن
الكرديَّة شمال سورية،
وفي أماكن سكناهم بحلب
ودمشق والمدن الأخرى،
أسوةً بأقرانهم من
الأكراد في كل مكان. ومن
لم يتح له فرصة إشعال
النار، استعاض عن ذلك
بالشموع والأضويَّة
الحمراء والخضراء
والصفراء، انسجاماً مع
ألوان العلم الكردي.
وكذا، فعل أهل مدينة
العشق "قاشملو". حيث خرج
المئات من الشباب
والصبايا الأكراد إلى
الشوارع والساحات، مشعلين
النيران، عاقدين حولها
حلقات الدبكة الشعبيَّة
الكرديَّة، بحيث لا
يشكلون عرقلة للسير،
وتعطيل مصالح الناس. لكن،
لم تطيق قوى الأمن
السورية في المدينة
الآمنة، النظر إلى
الأهازيج والأغاني
الكرديَّة، في حلقات
الدبكة تلك، والمنتشية
بانسحاب الجيش التركي من
كردستان العراق مهزوماً،
بفعل مقاومة المقاتلين
الكرد هناك. فأبت عناصر
الأمن إلا أن تدمِّر فيهم
الشعور بالنصر، وتحوِّل
فرحتهم إلى مجزرة. وذلك
بإطلاق الرصاص الحيّ،
والحربي المتفجَّر، بحسب
بعض المنظمات الحقوقيَّة.
ما أدَّى سقوط ثلاثة
شهداء، هم: "محمد
زكي رمضان، محمد يحيى
خليل، محمد محمود حسين"
وجرح آخرين. وقد تكون
"غلَّة" هذا الفعل
الإجرامي الجبان، بكل
المعايير والمقاييس،
أقلَّ مما كان يشتهي
القتلة. إلا أنهم حققوا
جزءاً هامّاً من
"الغلَّة" السياسيَّة،
بمعيَّة الحركة الكرديَّة
السوريَّة البطلة!.
على الفور، اجتمع ثلاثة
تشكيلات كرديَّة، الجبهة
الكرديَّة، وتضمُّ 4
أحزاب، والتحالف
الديمقراطي، ويضمُّ 4
أحزاب، ولجنة التنسيق،
وتضمُّ 3 أحزاب، إلى جانب
حزب كردي آخر، ليصل العقد
إلى 12 حزب كردي سوري،
اجتمعت، وقلَّبت الجريمة
على جهاتها، وناقشت
إرهاصاتها وتبعاتها، وبعد
جهد جهيد، خلُصت لإصدار
بيان مشترك، ليلة
20/3/2008، جاء فيه: "استكمالاً
لمخطط
التآمر ضد الشعب الكردي
الذي يستهدف وجوده،
وبعد سلسلة من السياسات
العنصرية
والشوفينية التي طبقت
بحقه بعد استلام البعث
للسلطة في سوريا بدأت منذ
أعوام
تغييراً نوعياً في
سياساتها باتجاه المزيد
من القمع
والإرهاب والقتل ضد أبناء
الشعب الكردي بغية رضوخه
وإخضاعه لسياسات السلطة
وإرادتها
ودفعه إلى التخلي عن
حقوقه
القومية وهويته الثقافية،
وفي هذا السياق جاء إطلاق
الرصاص الحي وبطلقات
متفجرة وبتاريخ 20/3/2008
مساء ليلة عيد النوروز في
مدينة
القامشلي على مجموعة من
الشباب الكرد الذين كانوا
يغنون ويدبكون على شكل
حلقات حول
شعلة نوروز فأدى إلى
استشهاد ثلاثة شبان، وجرح
مجموعة أخرى... إننا
في الوقت الذي ندين بشدة
عمليات
القتل هذه ضد الشعب
الكردي
والتي تكررت ونحمل
السلطات
السورية مسؤولية القتل
العمد وتداعياته، فإننا
نعلن عن
حالة الحداد العام وإلغاء
الاحتفال بعيد النوروز في
هذا العام في كل المناطق
داخل
سوريا وخارجها احتجاجاً
على هذه الجريمة النكراء،
فإننا نؤكد بأن الشعب
الكردي
وحركته السياسية ماضون في
الدفاع عن الحقوق القومية
لهذا الشعب بكافة الوسائل
والأساليب الديمقراطية
مهما بلغت حجم التضحيات،
وإن مزيداً من القتل لهذا
الشعب
على أيدي السلطات السورية
لن يرهبه ولن تثنيه عن
عزمه للدفاع عن قضيته
العادلة...".
قد لا يكون هنالك خلاف
على ما ورد في متن
البيان، لجهة اعتبار
الجريمة "استكمالاً
لمخطط
التآمر ضد الشعب الكردي
الذي يستهدف وجوده..."،
واعتبار الجريمة "قتلاً
عمداً"، وتحميل السلطات
السوريَّة كامل
المسؤوليَّة. لكن، هل من
جهبذ أو فطحل من فطاحلة
الحركة الكرديَّة قادر
على التنطُّع بغية إزالة
التناقض الحاصل بين قرار
الحركة الكرديَّة بالحداد
وروح البيان الصادر
عنها!. إذ كيف لاثني عشر
حزب كردي، يطالبون
محازبيهم بالمكوث في
البيوت، وإشاعة أنباء،
ألا هنالك مظاهر عيد
النوروز داخل وخارج
سورية، والتضحية بأهم
مَعْلَم من معالم
الهويَّة القوميَّة
والثقافيَّة الكرديَّة،
احتجاجاً على هذه
الجريمة، وفي الوقت عينه،
تعتبر أن الهدف من هذه
الجريمة
هو إرضاخ وإخضاع الشعب
الكردي لـ"سياسات السلطة
وإرادتها
ودفعه إلى التخلي عن
حقوقه
القومية وهويته الثقافية"؟.
وإن كانت كلفة الاحتجاج
على "المؤامرة التي
تستهدف الشعب الكردي في
وجوده، والقتل العمد
والإرهاب الذي يتعرَّض
له..."، هي الحداد على
أرواح الشباب الشهداء
الثلاث، وآلام الجرحى
وأهليهم، والإهانة
والترهيب والترعيب الذي
طال قامشلو في تلك
الليلة، فلماذا تزعم
الحركة الكرديَّة بأنها
ماضية "في
الدفاع عن الحقوق القومية
لهذا الشعب بكافة الوسائل
والأساليب الديمقراطية
مهما بلغت حجم التضحيات،
وإن مزيداً من القتل لهذا
الشعب
على أيدي السلطات السورية
لن يرهبه ولن تثنيه عن
عزمه للدفاع عن قضيته
العادلة..."؟!.
إن سألت طفلاً كرديَّاً:
لما أطلق رجال الأمن
النار على الشباب
الأكراد، فلن تكلِّفه
الإجابة الوقت الذي
استغرقه 12 حزب كردي
سوري، لصياغة ذلك البيان،
واتخاذ ذلك القرار
العتيد، بالقول: أطلقوا
على عليهم النار، كي
يسمِّموا على قامشلو
فرحتها، ويدفعوا أهليها
لعدم مبارحة منازلهم
والاحتفاء بعيد النوروز.
والسؤال الذي طرحه الشارع
الكردي على نفسه: ألم
يأتِ قرار الحداد الذي
اتخذته حركتنا الكرديَّة
المجيدة منسجماً مع مشيئة
ورغبة وما رمى إليه
القتلة، وهذا ما أشار
إليه البيان؟. والجواب:
بلا. إذن، هذا ما دفع
أكثر من 1،5 مليون كردي
سوري إلى رفض قرار
حركتهم، والخروج للاحتفال
بعيدهم القومي، وحقهم
الثقافي والوطني، بحماس
وفرح وغضب عارم، حاملين
الرايات الكرديَّة
والسوريَّة، وصور أوجلان
والشهداء، مرددين شعارات
تمجِّد نوروز وشهداء
القضيَّة الكرديَّة، في
تحدٍّ جسور لإرادة
القتلة، ورفض قاطع لقرار
أحزابهم. ليس هذا وحسب،
بل أن كاتب هذه السطور
على علم ومشاهدة للعشرات
من الطبقة الثالثة
والرابعة من قيادات
أحزبنا الكرديَّة
الأبيَّة ممن رفضوا
قرارها، بالخروج للاحتفاء
بالنوروز.
كان الأجدى بالحركة
الكرديَّة أن تحترم مشاعر
وحقوق الشعب الكردي، لا
أن تجعل من مظاهر
الاحتفال بعيد النوروز،
(وهو المنجز الوحيد الذي
حققه الكرد السوريين
بالظهور العلني للثقافة
والهويَّة القوميَّة
الكرديَّة في سورية)،
مناسبة للالتفاف حول دماء
شهداء نوروز الذي سقطوا
ليلة 20/3/2008، وأن تبعث
برسالة مدوَّية للقتلة
ومن ويقف ورائهم بأن
الشعب الكردي وحركته
السياسيَّة ماضية "في
الدفاع عن الحقوق القومية
لهذا الشعب، بكافة
الوسائل
والأساليب الديمقراطية،
مهما بلغت حجم التضحيات.
وإن مزيداً من القتل لهذا
الشعب،
على أيدي السلطات
السورية،
لن يرهبه، ولن تثنيه عن
عزمه للدفاع عن قضيته
العادلة...".
وأما أن يتعرَّض الكرد
للقتل العمد، جهاراً، وأن
تحتجَّ حركته السياسيَّة
على القتلة بالتضحية بعيد
النوروز، فهذا ما لا
يقبله عدل أو منطق أو
عقل.
يُشتَمُّ من قرار الحداد
الذي اتخذته الحركة
الكرديَّة السوريَّة، نفس
رائحة قرار الحداد الذي
اتخذته سنة 2004، على
خلفية انتفاضة 12 آذار
وقتئذ، بعدم الاحتفال
بعيد النوروز أيضاً. وهذا
يوحي أن الحداد بات عادة
لدى حركتنا المجيدة،
وإنها مستعدَّة لوضع حقِّ
الاحتفال بعيد النوروز،
على مائدة البازار
السياسي مع السلطة
السوريَّة!.
وليس من المجازفة القول:
إن مطلب الإجماع الكردي،
الذي تنادي به كل فصائل
الحركة الكرديَّة، لا
يصبح ناجزاً، إلا على
قرارات خاطئة. وإجماع
الحركة الكرديَّة على
الخطأ، هو خطيئة بحقِّ
الشعب الكردي السوري. وآن
لهذا الشعب المقاوم
المظلوم أن يقاطع
الممعنين في ارتكاب
الأخطاء في حقِّه، وفي
مقدِّم هؤلاء الخطَّائين
بحقِّه، حركته
السياسيَّة. وكاتب هذه
السطور، يعلنها، بأنه لن
يشارك في أيّ نشاط ثقافي،
أو سياسي أو اجتماعي يكون
أحد الموقِّعين على ذلك
البيان المشئوم، واقفاً
وراءه. إلا في حال، لو
أصدر بيان اعتذار من
شهداء نوروز ليلة
20/3/2008، ولكافة أبناء
الشعب الكردي السوري على
اقترافه تلك الخطيئة
الجسيمة التي ارتكبها
بتوقيعه على ذلك البيان
الأسود. وفي هذا، استكمال
لقرار الشعب الكردي
السوري برفض الحداد على
شهدائه في البيوت، بل
بالوفاء لدمائهم
الزكيَّة، بالخروج
للميادين والساحات،
قائلين للقتلة: نحن هنا،
وصدورنا مفتوحة لرصاصكم.
نحن هنا، أكرادٌ سوريون
من صُلبِ أكرادٍ سوريين،
وهذا نوروزنا، وهذي
أغانينا وزيّنا، وكلُّنا
مشاريع شهداء ومعتقلين،
وهذي قلوبنا وعقولنا
مفتوحة للمحبَّة والسلام
والعيش الوطني الحرّ
المشترك. وإن الغد لهو
للوطنيَّة السوريَّة،
والشوفينيَّة والعنصريَّة
القوميَّة، كرديَّةً كانت
أم عربيَّة، فمثواها
مزابل التاريخ.
|