المستقبل - الاحد 3
شباط 2008 - العدد
2865 - نوافذ - صفحة
11
رئة الشَّرق ولؤلؤته،
جبهة البحر، شرق
الثَّقافة، مهد
الأرز، سفينة الجمال،
سفيرة الخيال، عين
السَّماء، وصيَّة
الأرض العاشقة...الخ،
هذه الأوصاف، لا تفي
للإحاطة بروعة هذه
الجغرافيا
الطَّبيعيَّة
والبشريَّة،
الصَّغيرة بحجمها،
العملاقة بتأثرها
وعمقها الحضاريين،
لبنان. لذا، لم ولن
يستطع الماضي
و"الآتي" من الحروب
أن تغتالها. لأن هذه
الأرض، هي وطن العشق.
فإن اغتيل العشق،
اغتيل لبنان. وإن
اغتيل لبنان، اغتيل
العشق. وهذا ما جعل
الشَّاعر نزار قباني
واصفاً الحبَّ في
بيروت: "الحبُّ في
بيروت كالله، موجود
في كل مكان".. فمقدور
هذا البلد، أن يكون
صامداً، وحصناً
للجمال، وأن يبقى
حيَّاً، كي يبقى
الشَّرق على قيد
الحياة، رغمّ أنف
طغاته.
غنيٌّ عن البيان كيف
كان لبنان وِجهة
وملاذاً ومأوى احتضن
الطيور العربيَّة
الفارَّة من أوطانها،
التي ما أنْ تخلَّصت
من نير وظلم واستبداد
الاستعمارات
والانتدابات
الأجنبية، حتى وقعت
تحت نير وبراثن الظلم
والاستبداد المحلِّي
"القومي والوطني".
وفي عزِّ اشتداد
شراسة رحى الحرب
الأهليَّة المستعرة
في لبنان، كان هذا
البلد، مقصد هذه
الطِّيور، لأنها
تفضِّل جحيم حروب
لبنان على "نعيم
السِّلم الأهلي
والحرِّية
والديمقراطية" الذي
تتمتَّع به أوطانها.
وبالتالي، لم يتخلَّ
لبنان ـ في عزِّ
مِحنِه الخانقة ـ عن
لعب دوره كعشٍّ أو
كعاصمةٍ جامعةٍ
لحركات المعارضة
السِّياسيَّة
والثَّقافيَّة
العربيَّة، ناهيكم عن
احتضانه لحركات
التَّحرر العالمي.
وهذا ما جعل لبنان
عرضة للفتن
والدَّسائس
والمؤامرات والحروب
القذرة.
لن ألج في التاريخ
عميقاً، بغية الوصول
إلى جذور العلاقة
الكردية ـ اللبنانية،
التي تمتدُّ من
المملكتين الكرديتين:
"الهوريَّة ـ
الميتانيَّة" 3000
ق.م، و"الميديَّة"
612 ق.م، وصولاً
للعهد الأيوبي. فما
يعلمه الكثير من
الكرد، ويجهله
اللبنانيون، إن أهم
جمعية سياسيَّة
كرديَّة، عقب الحرب
العالمية الأولى، قد
تأسَّست في لبنان.
فبعد أن تمَّ حل
الجمعيات الكرديَّة
كجمعيتي "تعالي
كردستان سنة 1918،
وآزادي سنة 1922"،
وفشل انتفاضة الشِّيخ
سعيد بيران الكرديَّة
في تركيا سنة 1925،
اضطرَّ غالبية مثقفي
وثوار تلك الجمعيتين
وتلك الانتفاضة
اللجوء إلى سورية
ولبنان ومصر وفرنسا.
ولم يبقَ أمامهم إلا
إعادة محاولة تشكيل
جمعية كرديَّة جديدة،
ضمَّت في عضويتها
معظم الشَّخصيات
المؤثِّرة في الحركة
التَّحرريَّة
الكرديَّة آنئذ،
فكانت ولادة جمعية
"خويبون" في "بحمدون"
في 5/10/ 1927. هذه
الجمعية التي أسَّست
أو حضَّرت لانطلاقة
انتفاضة جبل "آغري"
1926 ـ 1930، بقيادة
الجنرال إحسان نوري
باشا، ضدَّ النِّظام
الأتاتوركي، والتي
كانت من أهم انتفاضات
الكرد في كردستان
تركيا، مطلع القرن
العشرين.
وفي فترة الخمسينات
والسِّتينات من القرن
المنصرم، وحتى
اللحظة، كان ولا زال
لبنان متنفَّساً
للفنانين والموسيقيين
الكرد السُّوريين مثل
سعيد يوسف ومحمود
عزيز شاكر والرَّحال
محمد شيخو... وفنانون
آخرون. كما كان لبنان
ملاذاً للكثير من
رموز الحركة
السياسيَّة الكرديَّة
في سورية، كصلاح بدر
الدِّين. وربما
المحطة الأبرز في
العلاقة الكردية
اللبنانيَّة تتمثَّل
في استضافة لبنان،
وعلى مدى أكثر عقد من
الزَّمن، لعشرات
الآلاف من كوادر
وقيادات الفصائل
والحركات الكرديَّة
في تركيا، عقب انقلاب
12 أيلول، سنة 1980
الذي قاده الجنرال
كنعان إفرين. وعلى
رأس هذه الحركات حركة
حزب العمال
الكردستاني التي
مازالت تقود ثورة
مسلَّحة ضدَّ
النِّظام التُّركي.
والجدير ذكره أن
أكراد لبنان عموماً
ومناضلي حركة أوجلان
خصوصاً، كان لهم دور
مشرِّف إلى جانب
إخوانهم من أحرار
لبنان في المقاومة
الوطنيَّة
اللبنانيَّة
والفلسطينيَّة في
الذَّود عن حياض
لبنان والدِّفاع عنه،
إبان الغزو
الإسرائيلي له سنة
1982، وقدَّمت حركة
أوجلان أكثر من 12
شهيد اًفي مقاومات
"قلعة شقيف" وعشرات
الجرحى وعشرات
والأسرى لدى إسرائيل
وقتئذ.
ثقافياً، كانت للطيور
الكرديَّة حصَّتها من
حضن لبنان كمثيلاتها
العربيَّة، كما
أسلفنا. فقد كان
حضناً وراعياً للكثير
من النَّشاطات
والفعاليات
الكرديَّة، خاصَّة
منها السُّورية.
فالثَّقافة والفن
الكرديان، الممنوعان
والمحظوران في سورية،
كانا يلقيان اهتماماً
ومتنفَّساً في بيروت.
وعليه، كانت
الثَّقافة الكرديَّة
تتمتَّع بهامش معقول
وجيد في لبنان. فقد
تأسَّست رابطة "كاوى"
للثَّقافة والفنِّ
الكرديين في لبنان،
مطلع السَّبعينات.
وتأسَّس الكثير من
الأحزاب الكرديَّة
اللبنانية كالحزب
الديمقراطي الكردي
اللبناني "البارتي"،
وحزب رزكاري الكردي
اللبناني، والحزب
الاشتراكي الكردي.
بالإضافة إلى تأسيس
الكثير من الرَّوابط
والجمعيات الكرديَّة
في لبنان كجمعية
الأرز الكرديَّة،
والرَّابطة
الثَّقافية
والإنسانية الكردية ـ
اللبنانية. ناهيكم عن
منح تراخيص للكثير من
المطبوعات الكرديَّة
كمجلة "سورغول" _
Sorgul للبحث
والتحليل والتوثيق
التي مازلت تصدر في
بيروت، وكاتب هذه
السطور من محرريها،
ومجلة "كرد نامه ـ
kurdname ". والجدير
ذكره هنا: هو أن
وزارة الثَّقافة
اللبنانية، دأبت على
رعاية ودعم احتفالات
أعياد النَّوروز
سنوياً، في وقت أن
هذه الاحتفالات تلقى
ضغوطاً ومضايقات
أمنيَّة في الجار
السّوري، فضلاً عن
رعايتها لبعض
النَّشاطات
الثَّقافية الكردية.
وعلى سبيل المثال لا
الحصر، معرض الفنانين
التَّشكيليين الكرد
السُّوريين في صالة
"الأونيسكو" ببيروت
في 2001، ومؤتمر
الثقافة والفن
الكرديين الذي انعقد
الفترة 8 ـ 11
/3/2002 بصالة "توفيق
طابَّرا" في بيروت،
تحت رعاية وحضور وزير
الثَّقافة حينئذ
ووزير الإعلام الحالي
الأستاذ غازي
العريضي، برفقة لفيف
من النُّواب
والمثقفين
والإعلاميين
اللبنانيين. هذا
المؤتمر الذي كان لي
شرف عضوية اللجنة
التَّحضيريَّة له،
كان أحد أبرز المحطات
الثقافيَّة الهامَّة
في تاريخ العلاقات
الكرديَّة ـ
اللبنانيَّة. وأتت
مجزرة القاع
المروَّعة، إبان حرب
إسرائيل على لبنان في
تموز 2006، لتعيد مزج
الدَّم الكردي
بالتُّراب اللبناني.
ففي غزو 1982 كان
الدُّم الكردي ثائراً
باحثاً عن
الحرِّيَّة، مدافعاً
عن لبنان وكردستان في
آن. وفي حرب 2006 كان
الدم الكردي، باحثاً
عن لقمة العيش، وفي
كلتا الحالتين، بقي
الأكراد شهداء لبنان
الذي منحهم هذا البلد
الحرِّيَّة والخبز
معاً. والجدير ذكره
هنا، أن لبيروت
حضوراً لافتاً في
الغناء الشعبي
الفلكلوري الكردي، في
سورية وتركيا. وإن
هذه العاصمة كانت
محطَّة هامَّة في
تجارب الكثير من
الأدباء والفنانين
التشكيليين
والموسيقيين الأكراد،
على سبيل الذكر لا
الحصر: الشاعر
والروائي سليم بركات
والفنان التشكيلي
بشار العيسى.
راهناً، تتابع النخب
الكرديَّة والأكراد
عموماً، ما آلت له
حال لبنان، من
تحوِّله إلى خندق
متقدِّم لبعض القوى
الإقليميَّة، وساحة
صراع دولي، يدفع هذا
البلد وشعبه الطيّب
ونخبه فواتيره من
أمنه واستقراره ودماء
خيرة أبنائه،
بالوكالة عن القوى
المتصارعة. يتابع
الأكراد بمزيد من
الأسى والألم استبداد
الطائفيَّة
السياسيَّة بالحال
اللبنانيَّة،
وتحويلها هذا البلد
الصغير إلى مستودع
بارود هائل لأزمات
خارجيَّة، لا ناقة
للبنانيّ فيها، ولا
جمل!. يتابع
الكرديُّ، بقلبٍ
يعتصره الولع والخشية
على لبنان، وكيف
يُصفَّى مؤسَّسة تلوى
الأخرى: الحكومة
"مطعون" في شرعيتها،
والبرلمان معطَّل،
ومقام الرئاسة الأولى
استبدَّ به "فخامة"
الفراغ!، ولم يبق سوى
الجيش، فها هو في
مرمى أعداء لبنان
واللبنانيين!.
يتأمَّل الكرديُّ حال
لبنان، هازَّاً
رأسهُ، مغمغماً،
ومتسائلاً في سرِّه:
ريثما تنعقد المحكمة
الدولية التي ستنظر
في جريمة اغتيال رفيق
الحريري ورفاقه، كم
ستدفع بيروت ضريبتها
من دماء خيرة
أبنائها؟. إن سقطت
بيروت، فإن دويَّ
سقوطها سيكون أقوى من
دويّ سقوط بغداد في
يد المغول. إن سقطت
بيروت، فهذا يعني أن
الشرق الأوسط صار تحت
رحمة ولاية الفقيه.
إن سقطت بيروت، يعني
أن البقعة المضيئة
الوحيدة في الشرق
الأوسط قد انطفأت،
بفعل الظلام
والظلاميين
والظالمين. هكذا،
وأكثر، يكتوي
الكرديُّ بآلام
بيروت، متمنياً أن
تكون خاتمتها
انفراجاً يعيد لبنان
لتألُّقه، لأن لبنان
عوَّدنا على أنه
الأكبر من الحروب
المفتعلة عن بُعد على
أراضيه. عوَّدنا
لبنان أن يكون فاعلاً
سياسياً وثقافيَّاً
وإعلاميَّاً، ورافضاً
لأن يكون مفعولاً به،
أو مفعولاً فيه، أو
مجروراً لحروبٍ
منصوبةٍ، مرفوعة بفقه
سدنة الاستبداد.